مجلس الشورى.. أكثر من نصف قرن من المشاركة الشعبية لدفع مسيرة بناء الوطن / تقرير

23 أكتوبر 2023




تدشن دولة قطر غدا الثلاثاء مرحلة جديدة من مسيرتها المباركة عبر خيار الشورى الذي ارتضته القيادة الرشيدة والشعب القطري الوفي، أسلوبا ومنهاجا في تسيير وإدارة شؤون البلاد، إذ كان مبدأ الشورى الخيار الأنسب للتدرج والارتقاء بهذه المسيرة، كونه نابعا من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وعروبتنا الحقة وتراثنا الأصيل وتقاليدنا العريقة وخصائص وسمات مجتمعنا القطري الكريم.

وإيذانا ببدء فصل تشريعي جديد، وكما جرت العادة في مثل هذه المناسبة، يتفضل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، فيشمل برعايته الكريمة صباح غد، افتتاح دور الانعقاد العادي الثالث من الفصل التشريعي الأول، الموافق لدور الانعقاد السنوي الثاني والخمسين لمجلس الشورى، بمقر المجلس، حيث يلقي سموه "حفظه الله" خطابا بهذه المناسبة يتناول فيه سياسات الدولة محليا، وأولوياتها المستقبلية تجاه كل ما يشغل بال المواطن والمقيم على أرضها، وتبيان كل ما هو جديد قادم في الأفق، ويرسم ملامح نهضة قائمة على الشفافية تعتمد على الكفاءات الوطنية المخلصة، على طريق تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030.

وعلى الصعيد الخارجي، يتوقع أن يتناول خطاب سمو أمير البلاد المفدى، بعض ملامح سياسة دولة قطر تجاه عدد من الملفات العربية والإقليمية والدولية، والدور المتعاظم للدبلوماسية القطرية، ومما لا شك فيه لن تغيب التحديات التي تشهدها منطقتنا العربية عن خطاب سموه، فبقدر استثنائية الظروف والأحداث ستكون استثنائية الخطاب وفحواه.

وتعد تجربة الشورى في دولة قطر تجربة ثرية ومتميزة، اتسمت بالتعاون والعطاء والانسجام والوئام بين كل مؤسسات الدولة، لترسيخ المشاركة الشعبية، ومن خلال متابعة مسيرة المجلس منذ انطلاقها خلال السبعينيات من القرن الماضي، يتضح أنها شهدت تطورا كبيرا بفضل دعم القيادة الرشيدة، وبما تميزت به مناقشات المجلس من موضوعية وتبادل لآراء السادة الأعضاء، فضلا عن حرص المجلس على القيام بدوره في خدمة مصالح الوطن والمواطن.

وشهدت المسيرة الحافلة لمجلس الشورى إقرار الكثير من التشريعات والقوانين التي أسهمت في دفع مسيرة بناء الوطن وتحصينه ورقيه وتقدمه في كل المجالات، ويؤكد هذا الواقع سلامة التجربة والثوابت المرتكزة عليها للانطلاق منها نحو آفاق أرحب مستقبلا، كي تستمر دولة المؤسسات والقانون متطورة شامخة مزدهرة وطيدة الأركان.

واحتفل مجلس الشورى في نوفمبر الماضي بالذكرى الخمسين لتأسيسه، حيث تميز دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الأول، بعقد 35 جلسة عامة، وجلستين غير عاديتين، وتسعة وستين اجتماعا للجان المجلس الدائمة والمؤقتة، والتي اتسمت بالتعاون الإيجابي والمثمر بين المجلس والحكومة الموقرة التي حرصت على الأخذ بجل مقترحات المجلس ومتابعة تنفيذها.

وكان دور الانعقاد السابق حافلا بمناقشة ودراسة العديد من الموضوعات ضمن إطار اختصاصات مجلس الشورى، وفقا لما قرره الدستور الدائم للبلاد، حيث حرص المجلس على مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة، كما قام بإقرار تسعة مشروعات قوانين بعد مناقشتها ودراستها باستفاضة من قبل مختلف لجان المجلس التي أحيلت إليها.

كما ناقش المجلس ثمانية مشاريع قوانين بتعديل أحكام بعض القوانين، إلى جانب طلبات المناقشة العامة التي تقدم بها أعضاء المجلس، والتي بلغت ستة طلبات، إلى جانب الاقتراحات برغبة التي أبداها مجلس الشورى إلى الحكومة الموقرة، والتي بلغت ستة اقتراحات برغبة.

وكان من أبرز ما حققه المجلس خلال دور انعقاده الثاني، هو مشروع اللائحة الداخلية للمجلس، والتي ستمثل عند صدورها نقلة نوعية في عمل المجلس، انطلاقا من أنها تمثل خارطة طريق للمجلس، يمكنه من خلالها ممارسة كافة صلاحياته وفق ما أقره الدستور.

ويلعب مجلس الشورى دورا متميزا على الساحة المحلية، باعتباره سلطة تشريعية وفق الدستور، وهو إحدى صور التكاتف والتلاحم بين القيادة الرشيدة وجميع مكونات الشعب القطري، الذي ظل على مدار السنين شريكا فاعلا في مسيرة التنمية والتقدم في البلاد.

وتولى رئاسة مجلس الشورى في قطر منذ عام 1972 خمسة رؤساء، هم سعادة السيد عبدالعزيز بن خالد الغانم من 1972 إلى 1990، وسعادة السيد علي بن خليفة الهتمي من 1990 إلى 1995، وسعادة السيد محمد بن مبارك الخليفي من 1995 إلى 2017، وسعادة السيد أحمد بن عبدالله بن زيد آل محمود من 2017 إلى 2021، فضلا عن رئيسه الحالي سعادة السيد حسن بن عبدالله الغانم.

ويرجع تاريخ مجلس الشورى إلى العام 1972 حينما صدر النظام الأساسي المؤقت المعدل في 19 أبريل 1972 لتنظيم هياكل ومؤسسات الدولة الحديثة، ومن بينها مجلس الشورى، حيث ضم مجلس الشورى الأول 20 عضوا يتم تعيينهم، وشهدت تركيبته سلسلة من التعديلات في أكثر من مناسبة.

ويتألف مجلس الشورى حاليا من خمسة وأربعين عضوا، يتم انتخاب ثلاثين منهم عن طريق الاقتراع العام السري المباشر، ويعين صاحب السمو أمير البلاد المفدى الأعضاء الخمسة عشر الآخرين من الوزراء أو غيرهم، وتنتهي العضوية في مجلس الشورى في حالة الوفاة أو العجز الكلي أو انتهاء مدة العضوية أو الاستقالة أو إسقاط العضوية أو حل المجلس.

وفي شهر نوفمبر 2020، أعلن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى عن إجراء انتخابات لمجلس الشورى للمرة الأولى عام 2021، وذلك في إطار السياسة الطموحة التي تنتهجها دولة قطر لتطوير آلياتها التشريعية من خلال توسيع نطاق المشاركة الشعبية بشكل يعكس قيم الدستور القطري ورؤية قطر الوطنية 2030.

وجرت يوم السبت الموافق 2 أكتوبر 2021 أول انتخابات تشريعية لاختيار أعضاء مجلس الشورى المنتخب، وفي 14 أكتوبر 2021، أصدر حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى القرار الأميري رقم 56 لسنة 2021 بتعيين 15 عضوا في مجلس الشورى، حيث تكون مدة المجلس أربع سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ أول اجتماع له.

ولتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في مجلس الشورى وضمان تمثيله لكل فئات المجتمع، كان للمرأة القطرية دور في المجلس الذي يضم حاليا سيدتين من بين أعضائه، ما يعكس الدور الهام للمرأة القطرية وقدرتها على خدمة وطنها ومجتمعها في كل المجالات ومن كل المواقع بعد أن أثبتت كفاءتها في أعلى المناصب الإدارية والعلمية وقامت بجهد فاعل من خلال إسهامها في شتى الميادين بالمجتمع القطري.

ومن المتعارف عليه أن السلطة التشريعية في أي نظام سياسي معاصر تعد إحدى الدعائم الثلاث التي يقوم عليها نظام الحكم، وفي دولة قطر يمثل مجلس الشورى أحد جناحي السلطة، فالقوانين لا تصدر إلا بعد عرض مشروعاتها على مجلس الشورى، ودراستها وإبداء رأيه وتوصياته حولها، بينما الجناح الآخر للسلطة هو مجلس الوزراء الذي يتولى اقتراح القوانين وإعداد مشروعاتها وإحالتها إلى مجلس الشورى.

ويتكون مجلس الشورى من عدد من الأجهزة أولها الرئاسة، حيث ينتخب مجلس الشورى في أول جلسة له لدور الانعقاد العادي السنوي، رئيسا ونائبا للرئيس ومراقبين اثنين أو أكثر حسب الحاجة بالاقتراع السري والأغلبية النسبية، وهناك مكتب المجلس ويتشكل من الرئيس ونائب الرئيس ومراقبين اثنين.

ولمجلس الشورى خمس لجان دائمة يشكلها خلال الأسبوع الأول في كل دور من أدوار الانعقاد السنوية العادية من بين أعضائه، وهي لجنة الشؤون القانونية والتشريعية، ولجنة الشؤون المالية والاقتصادية، ولجنة الخدمات والمرافق العامة، ولجنة الشؤون الداخلية والخارجية، ولجنة الشؤون الثقافية والإعلام، وللمجلس أن يشكل لجانا أخرى دائمة ومؤقتة حسب حاجة العمل، كما يجوز لكل لجنة دائمة أو مؤقته أن تشكل من أعضائها لجنة فرعية أو أكثر، وتقدم اللجنة إلى رئيس المجلس تقريرا عن كل موضوع يحال إليها خلال ثلاثين يوما على الأكثر من تاريخ الإحالة ما لم يقرر المجلس غير ذلك.

ويمارس مجلس الشورى صلاحياته في اعتماد أو الموافقة أو حتى رفض بعض القوانين من مشروعات القوانين والأمور الأخرى التي تعرض عليه، ويختص المجلس بمناقشة واقتراح العديد من المسائل، من أهمها مناقشة مشروعات القوانين والمراسيم بقوانين، وكذلك السياسة العامة للدولة في النواحي السياسية والاقتصادية والإدارية، التي تحال إليه من مجلس الوزراء، كما يناقش شؤون البلاد في المجالات الاجتماعية والثقافية بوجه عام والمحالة إليه من مجلس الوزراء أو نظرها من تلقاء نفسه.

ويناقش أيضا مشروع ميزانية المشروعات العامة، ومشروع ميزانية المجلس وحسابه الختامي، كما يختص المجلس بمتابعة أنشطة الدولة وإنجازاتها في شأن جميع المسائل التي أحيلت إليه من مجلس الوزراء، وكذلك جميع المسائل المتعلقة بالمجالات الاجتماعية والثقافية سواء كانت هذه المسائل أحيلت إليه من مجلس الوزراء أم نظرها من تلقاء نفسه، كما يوجه الأسئلة للوزراء بقصد استيضاح أمر معين يتعلق بشأن من الشؤون التي تدخل في اختصاصه، وتقديم التوصيات وإبداء الرغبات للحكومة حيال المسائل المشار إليها.

وعلى صعيد نشاطه الخارجي، عزز مجلس الشورى علاقاته البرلمانية مع المجالس النيابية في مختلف دول العالم، واستقبل العديد من الوفود البرلمانية الزائرة، واستضاف العديد من الأحداث والفعاليات الدولية المعنية بالشأن البرلماني، كما شارك في العديد من المؤتمرات البرلمانية الإقليمية والدولية، مبرزا الصورة المشرقة لدولة قطر وسياساتها الواضحة ومواقفها الثابتة تجاه مختلف القضايا، ومدافعا عن مصالح الوطن والمواطنين والقضايا العربية والدولية العادلة.

كما نجح في التوصل لاتفاقيات مع الأمم المتحدة بشأن إنشاء مكتب الأمم المتحدة للبرلمانيين لمكافحة الإرهاب، والذي يتخذ من الدوحة مقرا له، ويغطي نشاطه كافة برلمانات دول العالم.

ويمثل مجلس الشورى، دولة قطر في الاتحادات البرلمانية والمنظمات الدولية، ويشمل ذلك الاتحاد البرلماني الدولي والاتحاد البرلماني العربي والبرلمان العربي واتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي والجمعية البرلمانية الآسيوية ورابطة مجالس الشيوخ والشورى والمجالس المماثلة في إفريقيا والعالم العربي.